قراءات في التربية
اللغة: عربي
الصفحات: 336
مقدمة
يكشف تاريخ مؤسسات التعليم عامة أنها كانت مقتصرة على أفراد من الطبقات العليا في المجتمع، وأنها لعبت دوراً في المحافظة على استمرار الفروق الطبقية يناهز الدور الذي لعبته مظاهر عدم المساواة في الحقوق المدنية والسياسية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عام1945، وانتشار الحركات التحررية والتقدم العلمي والتكنولوجي، وإعلان توصيات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية، وظهور بعض النظريات العلمية مثل نظرية رأس المال البشري التي جعلت من التعليم الوسيلة الأساسية للتنمية الشاملة، بدأت العديد من الدول في تبني مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، ونشر مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع بغض النظر عن الجنس أو العنصر أو الطبقة الاجتماعية أو المنطقة الجغرافية.
وبفعل تأثير الجهود الدولية والإقليمية والمحلية المبذولة لنشر التعليم انخفضت نسبة الأمية على مستوى العالم من (44%) بين عامي (1957-1950) إلى (27%) عام 1990 وإلى حوالي (18%) عام 2004. (اليونسكو، 2006، ص2). لكن هذا النجاح لم يتحقق بقدر متوازن في جميع البلدان، وقد تنبأت دراسة لليونسيف أجريت عام 1998 بأن معدلات الأمية في العالم سترتفع خلال القرن الحادي والعشرين, ويرجع ذلك إلى أن ربع أطفال العالم فقط التحقوا بالمدرسة حتى نهاية القرن العشرين. (The Columbia Encyclopedia, 2008). وأشارت تقارير الرصد العالمي للتعليم للجميع إلى أن العالم اليوم يحتضن ما يزيد عن 860 مليون راشد أمي، شكلت النساء ثلثي هذا العدد، و113 مليون طفل لم يتمكنوا من دخول المدرسة حيث شكلت الفتيات 57%. (اليونسكو، 2003).
وتواجه الأقطار العربية بصفة عامة واليمن بصفة خاصة صعوبات جمة في سبيل تحقيق أهداف التعليم للجميع. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم في الأقطار العربية إلى ستة أضعاف سنة 2005 على ما كان عليه الحال سنة 1980, إلا أنه ما زال هناك أكثر من 73 مليون أمي في الأقطار العربية, كما تتراوح نسبة القوى العاملة من الأميين ما بين 40- 60% من مجموع القوى العاملة في بعض التقديرات, وهي نسبة مرتفعة في الحالتين, كما تبلغ نسبة النساء من القوى العاملة حوالي 10% فقط من المجموع الكلي.
وعليه, فإن بحث سبل تمكين جميع الأطفال من الالتحاق بتعليم ابتدائي جيد مجاني وإلزامي، وتحقيق تحسن في مستوى محو أمية الكبار، وإزالة أوجه التفاوت بين الذكور والإناث والريف والحضر في مجال التعليم الابتدائي والثانوي، وتحسين الجوانب النوعية للتعليم ما زالت قضايا مطروحة على جدول أعمال سجل التنمية في الدول العربية، وتمثل مجالات خصبة للدراسة والبحث العلمي.
وقد شكلت هذه القضايا الموضوعات المحورية للدراسات والبحوث العلمية الرصينة التي أنجزتها المربية الفاضلة والباحثة القديرة الأستاذة الدكتورة/ وهيبة غالب فارع، في أوقات كانت فيها منشغلة جداً بأعمال كثيرة، وتولت خلالها مناصب قيادية عليا أبرزها أنها عينت كأول وزيرة في اليمن. ومع ذلك، فقد اتسمت دراساتها وأبحاثها بالإتقان، وهي سمة بارزة في كل أعمالها الإدارية والأكاديمية.
وقد جمعت بعض هذه الدراسات والبحوث في هذا الكتاب، الموسوم بـ: "قراءات في التربية". ونظراً لقلة البحث العلمي في المجالات المشار إليها؛ فإن الدراسات والبحوث المتضمنة في هذا الكتاب تشكل الإطار المرجعي لما يمكن أن يجرى في هذه المجالات من بحوث ودراسات، وترسي القواعد الأساسية لنقل العمل الرسمي في مجال التعليم إلى أفق المعالجة الإستراتيجية بما تتطلبه من قرار سياسي وتشريعات, واستقصاء أوضاع التعليم وتحليل جوانبه المختلفة, وتحديد الأهداف وتأمين شروط تحقيقها.
لقد شعرت وأنا أقرأ مضمون هذا الكتاب بمتعة وفائدة قلَما لمستها في كتابات عربية أخرى، وحين كلفتني الأستاذة الدكتورة بوضع مقدمة لهذا الكتاب شعرت بثقل المسؤولية، خاصة وأني أحد الطلاب والباحثين الذين تتلمذوا على يديها، وإن كنت أوفرهم حظاً. حقاً إن هذا الأمر شرف لمن يقوم به؛ إلاَ أنه من الحق أيضاً الاعتراف بصعوبة أن يقدَم طالب وباحث متعلم لإنجاز علمي ضخم قام به أستاذ عملاق بحجم الدكتورة/ وهيبة فارع.
إن هذا الكتاب يضم اثنتي عشرة دراسة علمية، أجريت في أوقات مختلفة، وعالجت موضوعات وقضايا متعددة ومتنوعة. وقد تم عرضها وتصنيفها بحسب تسلسلها الزمني وهدفها ونوعها في ثلاثة أجزاء.
جاء الجزء الأول بعنوان "قراءات في التعليم اليمني" حيث تضمن خمس قراءات، تناولت القراءة الأولى دراسة بعنوان "التعليم العالي في "ج. ع. ي" ورسالته التنموية حتى عام 2000، فبراير 1988م" أخذت هذه الدراسة كفاية التعليم الجامعي محورا لها، لتحليل جوانب العرض والطلب على التعليم الجامعي وتقديراته حتى عام 2000، والبدائل المقترحة لرفد هذا التعليم مستقبلا.
وتناولت القراءة الثانية دراسة بعنوان "برنامج مقترح لتعميم التعليم الابتدائي في "ج. ع. ي" وقدمت إلى ندوة تعميم التعليم الابتدائي وتجديده في الجمهورية العربية اليمنية، التي عقدت خلال الفترة بين 7 – 9 مارس 1989م, وقد جاء في التقريـر العـام للندوة أن هذه الدراسة هي الوثيقة الوحيدة التي أعدت لهذه الندوة، وهي تعالج موضوعاً واسعاً وقضايا متعددة وبالغة التعقيد، ومع ذلك تمكنت الباحثة بنجاح كبير من إعداد هذه الوثيقة التي شملت تطورات التعليم في اليمن، ووصف أوضاعه الراهنة ومساراته المستقبلية، ثم برنامج مقترح لتعميم التعليم الابتدائي وأساليب واستراتيجيات تنفيذه، وشكلت محور النقاش على مدى أكثر من يومين كاملين.
وتضمنت القراءة الثالثة دراسة بعنوان "الأهداف التعليمية ومصادر اشتقاقها في الجمهورية العربية اليمنية، 1989م" وقد تناولت بالتحليل معاني الأهداف في التربية، والأهداف العامة للتعليم في اليمن، ومصادر اشتقاقها، والنواحي التطبيقية لها، وأهم اتجاهات السياسة التعليمية.
وتناولت القراءة الرابعة دراسة بعنوان "مصادر إعداد معلم المرحلة الابتدائية: مستواها، أنواعها، وأثرها على العملية التعليمية في المجتمع اليمني،1989م" وتناولت أهمية إعداد معلم المرحلة الابتدائية التي تأتي نتيجة لأهمية المرحلة التي تمثل الأساس التعليمي لكل المعطيات التربوية والتعليمية، وتمثل الحد الأساسي من التعليم للقاعدة العريضة من السكان في سنوات العمر المبكرة. كما تناولت مصادر إعداد معلمي هذه المرحلة، وحجم الطلب الاجتماعي للمعلم اليمني، وكيفية تطوير إعداد معلم المرحلة الابتدائية.
أما القراءة الخامسة فقد تناولت دراسة بعنوان "نظام القبول والترفيع في التعليم اليمني وبدائل معالجة الاختلالات، سبتمبر 1993" وتكونت من قسمين، عرض القسم الأول لعدد من القضايا التي تناولها القانون بالحلول والإجراءات المنظمة كاختبارات الشهادة الابتدائية والتشعيب في المرحلة الثانوية. بينما قدم القسم الثاني عرضاً وتحليلاً دقيقاً لقضايا لم يحسمها القانون كنظام الإعادة والدور الثاني، ونظام الانتساب أو المنازل وظاهرة الغش في الاختبارات، وقدم مجموعة من البدائل المعالجة لكل قضية، والنتائج المترتبة على تطبيق كل بديل.
وجاء الجزء الثاني بعنوان "قراءات في تعليم المرأة وعلاقته بالتنمية والديمقراطية" حيث تضمن ست قراءات (السادسة، السابعة، الثامنة، التاسعة، العاشرة، الحادية عشرة) تناولت القراءة السادسة دراسة بعنوان "التعليم التقني للفتاة اليمنية: أنواعه – علاقته بعمل المرأة – معوقاته، نوفمبر 1988م" وتضمنت عرضاً وتحليلاً للوضع التعليمي للمرأة وعلاقتها بالعمل والمعوقات التي تواجهها، والاتجاهات المعاصرة في التعليم الفني وتجربة اليمن في هذا المجال.
وتناولت القراءة السابعة دراسة بعنوان "تعليم المرأة اليمنية وأثره في التنمية، مارس 1989م"وهي تتعرض لقضية أكثر أهمية اليوم للمرأة العربية هي قضية التنمية والتحديات التي تواجهها، وتكونت من ثلاثة محاور، يدور المحور الأول حول العلاقة بين التعليم والتنمية، ويدور المحور الثاني حول حجم ونوع العمل الذي تؤديه المرأة العربية، ويدور المحور الثالث حول حالة المرأة اليمنية من حيث مكانتها ووضعها التعليمي، وعائد التعليم على المشاركة الإنمائية للمرأة، والاتجاهات السائدة نحو عمل المرأة في المجتمع اليمني, والمعوقات التي تواجه عمل المرأة اليمنية، ثم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأثرها على دور المرأة في الأسرة اليمنية.
وتناولت القراءة الثامنة دراسة بعنوان "المرأة والديمقراطية في اليمن، إبريل 1993م" وهدفت إلى الإجابة عن سؤال: ما مدى مشاركة المرأة اليمنية في التحول نحو الديمقراطية بعد تحقيق الوحدة وبدء مرحلة الانتخابات الديمقراطية التي تنفذها اليمن حاليا؟ وذلك من خلال مناقشة حق ودور المرأة في المشاركة السياسية، وقضايا المرأة في التشريعات، وفي برامج الأحزاب السياسية، والمبادئ والأسس المتعلقة بتكافؤ الفرص السياسية والاجتماعية للمرأة والرجل في المواثيق الوطنية والدولية، واختتمت بمناقشة مكانة المرأة وأدوارها في المجتمع.
وتناولت القراءة التاسعة دراسة بعنوان "تمكين المرأة اليمنية من الحصول على فرص التعليم، 1995م" وتقوم على مؤشرات تفيد بأن هناك تفاوتاً في فرص التعليم بين الجنسين وبين الريف والحضر، والذي نشأ نتيجة عدد من العوامل المجتمعية التي لم تمكن الدولة من اتخاذ إجراءات فاعلة تسهم في دفع الإناث نحو التعليم بصورة أوسع. وللنهوض بهذا التعليم على نحو متساوٍ يعزز من مشاركة الإناث الفاعلة في المجتمع تقترح الدراسة خطة عمل تتضمن أهداف واستراتيجيات تمكين المرأة اليمنية من التعليم.
وتناولت القراءة العاشرة دراسة بعنوان "المرأة والتنمية في الجمهورية اليمنية، ديسمبر1995م" وهي تعالج مفهوم التنمية وعلاقته بالمرأة، ومرتكزات التنمية، وتشخص واقع التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، ثم أهم الأسباب التي تدعو إلى دمج المرأة في برامج التنمية، والوسائل التي تمكن وسائل الاتصال الجماهيرية من القيام بأدوارها في مجال التنمية.
أما القراءة الحادية عشرة فقد تناولت دراسة بعنوان "صورة المرأة في المنـاهج الدراسية اليمنية،1996م" هدفت الدراسة إلى إبراز اتجاهات كتب القراءة للمرحلة الأساسية نحو المرأة، وبيان الأنماط الثقافية الشائعة في المجتمع اليمني، والخاصة بدور كل من المرأة والرجل في المجتمع، وتعرف الاتجاهات السلبية والايجابية في هذه المقررات ومضامينها الاجتماعية والاقتصادية، باعتبار المنهج الدراسي ناقلا للثقافة ووسيلة تنشئة.
وجاء الجزء الثالث بعنوان "قراءات في التعليم العربي" متضمناً القراءة الثانية عشرة والتي تناولت دراسة بعنوان "نمط المدرسة العربية المتوافق مع ترقية رأس المال البشري في الدول العربية" وفيها تم مناقشة الوضع الراهـن للتعليم العربي، والتحديات التي تواجهه، ومن ثم نمط المدارس المتوافق مع تنمية رأس المال البشري العربي، والأبعاد البارزة للمدرسة في المجتمعات المحلية، والأنماط التعليمية للمدرسة العربية والسياسات التعليمية، وأخيراً تقدم الدراسة صورة عن مستقبل التعليم في العالم العربي.
والله أسأل أن يفيد الدارسين والباحثين والمهتمين بقضايا التربية والمجتمع من هذا الكتاب، وأن يسدد على طريق الخير خطانا إنه على ما يشاء قدير.
د.طاهر محمد عمر الأهدل
أستاذ علم اجتماع التربية المساعد
رئيس قسم أصول التربية-كلية التربية- جامعة صنعاء